أزمة ثقة

محمدابوالقاسم


أزمة ثقة يمكن للمتتبع للاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن مغربية بالتزامن مع ذكرى 20 فبراير أن يربطها بالظرفية الراهنة المتعلقة بموجة الغلاء، وارتفاع أسعار عدد من المواد الاستهلاكية والمحروقات، كما يمكن أن يفهمها كانعكاس لتداعيات أزمة الجفاف، مثلما يمكنه كذلك أن يراها امتدادا لواقع يسبق هذه الظرفية، ويهيئ الشروط لهذا المشهد ولمشاهد أصغر لكنها تدفعنا حتما إلى طرح الكثير من التساؤلات. فكلما أحس اليوم مواطن بحيف أو طاله ظلم، أسرع إلى أقرب موقع الكتروني ليبث شكواه مباشرة للعالم قبل التفكير في التوجه للإدارة المعنية، ومتى اعترضت طريق هذا الوطن أزمة، ضجت المواقع الالكترونية وساحات الشارع بأصوات الاحتجاج. فهل أضحى الشارع والمواقع ملاذا وحيدا لمطالب المواطنين؟ وما موقع الحكومة والإدارات والمؤسسات المنتخبة في هذا الخضم؟ أعتقد أن السر يتلخص في كلمة "الثقة". فعلى الثقة تبنى الأسرة، وعليها يعتمد تماسك المجتمع، وتقوم شرعية المؤسسات السياسية. إن تراجع ثقة المغاربة في المؤسسات ليس إحساسا أو انطباعا، بل معطى ترصده الدراسات، ونعاينه يوميا في خطاب وسلوك المواطنين. فهم يشككون في أداء الحكومة وقدرتها على تقديم خدمات عمومية ملائمة سواء في التعليم والصحة أو غيرها من القطاعات، والإدارة بيروقراطية بطيئة الحركة، وجهود محاربة الفساد في نظر معظمهم غير كافية... أما أداء الاقتصاد الوطني فلا يرضي أحدا منهم ، وتبقى الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة صاحبة النصيب الأوفر من السخط الشعبي. فهي ضعيفة الأداء وبلا جدوى وليست أهلا للثقة. أما المنتخبون فمجرد انتهازيين لاهثين وراء الريع، الأمر الذي يفسر ضعف المشاركة السياسية التي تتيحها المؤسسات، مقابل تنامي صيغ أخرى مثل المقاطعة الاقتصادية والانتخابية والاحتجاجات، واستخدام وسائل بديلة للحصول على الخدمات العمومية مثل الواسطة والرشوة... هذه الصورة القاتمة التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي مؤثتة بالتبخيس والسلبية، يقابلها ضعف في القدرات التواصلية للمؤسسات الكفيلة بتغيير هذه الصورة أو تعديلها.فما يشغل المواطن العادي هو خدمات عمومية ذات جودة، وأداء اقتصادي ينعكس بشكل مباشر على قدرته الشرائية وتحسن ظروفه المعيشية، وهو أمر يبدو عاديا ومشروعا، لكنه لم يلمسه في أداء الحكومات المتعاقبة، ولا يجد في واقعه ما يمنحه الأمل بتحققه.